استكتاب للعدد الأول من مجلة أنساق

المعرفة التربوية المعاصرة وبناء الإنسان: مقاربات نقدية ومقارنة للأسس والمرجعيات

الديباجة (الإشكالية المؤطرة)

يشهد الحقل التَّربويُّ المعاصر تحوّلاتٍ عميقة، ناتجة عن تفاعلٍ متسارع بين مُختلف المرجعيَّات الحديثة من خلفيَّاتٍ فلسفيَّة، واتِّجاهاتٍ سيكولوجيّة، وأخرىٰ اجتماعيَّة، ومقاربات كونيَّة داعيةٍ إلىٰ إعادة تعريف الإنسان وفهمه ومِن ثمَّ تربيته. وقد أدّىٰ هذا التَّعدّد المرجعيُّ إلىٰ ظهور تجاذباتٍ في الخطابات التَّربويَّة العربيَّة والإسلاميَّة، لا سيما حين تتعامل مع مفاهيم محوريّة مثل الإنسان، والمعرفة، والقيم، والغايات التربوية، وغيرها.

وفي هذا السِّياق؛ تظهرُ الحاجةُ إلىٰ مساءلةٍ نقديَّة للمعرفة التَّربويَّة المعاصِرة، لا لنقضها؛ بل لاستكشاف بِنيتها الإبستمولوجيَّة، والكشف عن خلفيَّاتها الفلسفيَّة، وتحديد أبعادها وغاياتها الاجتماعيَّة، مع التَّركيز علىٰ منظوراتها السَّيكولوجيَّة وما تحمله مِن معانٍ وتصوُّراتٍ عن الإنسان. ولا يقف الأمر عند هذا المُستوىٰ من المُساءلة، بل لابدَّ له من التَّقدُّم خطوةً إلىٰ الأمام، أيّ؛ إلىٰ اختبار مدىٰ قُدرة المعرفة التَّربويَّة المُعاصر علىٰ الإسهام في بناء الإنسان في سياقه العربيّ والإسلاميّ، ذلك الإنسان الذي يُنتظر منه أن يتفاعل مع العالم من دون أن يفقد شروطه الذاتية.

وهٰهنا تبرز إشكاليَّة أخرىٰ لا تنفكُّ عمَّا ذكرناه آنفًا، وتتعلَّق بمدىٰ قدرة الفكر التَّربويِّ المُعاصر -خصوصًا الفكر التَّربويّ العربيّ والإسلاميّ- علىٰ تجاوز الثُّنائيَّات المألوفة بين مقارباتٍ تُوصف بأنها "مؤدلجة-منحازة" وأخرىٰ "موضوعيَّة-كونيَّة"، ولا يخفىٰ أنَّ المقاربةَ السَّديدةَ لهذه الإشكاليَّة تُمكِّننا من تلمُّس الخطوات الأولىٰ لبناء مشروعٍ تربويٍّ عربيٍّ وإسلاميٍّ مُعاصِرٍ، يبني رؤيته انطلاقًا من المرجعيَّة الإسلاميَّة بوصفها إمكانًا معرفيًا ومنهجيًّا وقيميًا، من دون أن ينزلق إلىٰ خطابٍ انتصاريٍّ أو إقصائيٍّ.

في هذا المُستوىٰ مِن الطُّموح نُخصِّصُ ملفَّ العدد الأوَّل من مجلة أنساق للدِّراسات البينية والعلوم التَّربويَّة لإشكالية بناء الإنسان في ضوء قراءةٍ نقديّة للمعرفة التَّربويَّة المعاصرة، تُعيد تحليلَ مفاهيمها ونظريَّاتها، وتفكّك خلفيَّاتها الأيديولوجيَّة، وتقارنها بممكنات مرجعيَّة إسلاميَّة يدَّعي أصحابها أنَّها قادرة علىٰ تقديم إضافةٍ معرفيَّة ومنهجيَّة وقيميَّة، من موقع التَّفاعل والفاعليَّة لا مِن موقع الاصطدام أو المُصادرة.

وعليه؛ يتوجّه هذا الملفُّ إلىٰ استقطاب دراساتٍ رصينةٍ تُقارب موضوع المعرفة التَّربويَّة المعاصِرةِ وبناء الإنسان، ضمن أفقٍ نقديٍّ–تحليليٍّ-مُقارن، ويتحرّر من الاصطفاف المسبَق لأيّ منظومةٍ مرجعيَّةٍ، ساعيًا إلىٰ بناء أفق بحثيٍّ يراعي شروط الفِكر التَّربويِّ المُعاصر، ويتفاعل مع أسئلته الكبرىٰ.

استشكالات فرعية مُساعِدة

1- حول مفهوم الإنسان في المعرفة التَّربويَّة المُعاصرة

  • كيف تُقدِّمُ المعرفة التَّربويَّة المُعاصرة صورة "الإنسان"، وكيف تحدِّد مفهومَه، وجداراته، وغايات وجوده؟
  • هل يُمكن للمدارس التَّربويَّة الحديثة أن تقدّم نموذجًا إنسانيًّا متماسكًا، أم أنّها تُنتِج نموذجًا مشتَّتتا بسبب توجّهاتها الفلسفيَّة والأيديولوجيَّة؟
  • إلىٰ أيّ حدّ تملك هذه المعرفة القدرةَ علىٰ الحفاظ واستيعاب خصوصيَّات الإنسان في سياقه وبيئته دون الوقوع في النَّزعة الكونيَّة المعياريَّة؟

2- حول علاقة المعرفة التَّربويَّة ببناء الإنسان

  • ما مدىٰ قدرة النَّظَّريات التَّربويَّة المُعاصرة علىٰ الإسهام في بناء إنسان قادرٍ علىٰ التَّكيّف والإبداع، وفي الآن نفسه قادرٍ علىٰ الارتباط بمعايير أخلاقيَّة ومجتمعيَّة؟
  • هل تُنتج المعرفة التَّربويَّة اليومَ إنسانًا متوازنًا بين الجوانب العقليَّة والوجدانيَّة والأخلاقيَّة؟ أم أنّها تميل إلىٰ بناء إنسانٍ وظيفيٍّ مُحكومٍ بمتطلَّبات سوق الشُّغل والاقتصاد؟
  • هل يمكن القول: إنّ التحوّلات التَّربويَّة المُعاصرة تُعيد تشكيل بِنية ذات الإنسان وليس فقط مهاراته؟

3- حول المرجعيَّات الفلسفيَّة والمعرفة التّربويَّة

  • ما المرجعيَّات الفلسفيَّة التي تُحرّك المعرفة التَّربويَّة المُعاصرة؟ وكيف تؤثِّر في تصوّرها لبناء الإنسان؟
  • كيف يمكن قراءة التوتّر بين مرجعيات "كونية" ومرجعيَّات "محليَّة" في صناعة السِّياسات التَّربويَّة؟
  • هل قاد الانتقال نحو التَّربويَّة الكونيَّة إلىٰ إثراء مفهوم الإنسان؟ أم إلىٰ تجريده من خصوصيَّاته الثَّقافيَّة والرُّوحيَّة؟

4- حول البعد الأيديولوجيّ في التربية

  • ما الأنساق الأيديولوجيَّة المُضمَرة في النَّظريَّات التَّربويَّة المُعاصرة؟ وكيف تُعيد تشكيل تصوّر الإنسان والمجتمع والمعرفة؟
  • هل يمكن للتَّربية أن تتحرّر من التوظيف الأيديولوجيّ؟ أم أنّ كُلَّ مشروعٍ تربويٍّ يحمل بالضَّرورة رؤيةً للإنسان والمجتمع؟
  • كيف نفهم علاقة السُّلطة الثَّقافيَّة والاجتماعيَّة والسِّياسية بإنتاج المعرفة التَّربويَّة الموجّهة لبناء الإنسان؟

5- حول إمكان صياغة مشروع تَربويٍّ عَربيٍّ معاصر

  • ما الشُّروط المعرفيَّة والمنهجيَّة والقيميَّة لبناء رؤيةٍ تربويَّة عربيَّة قادرة علىٰ التَّفاعل مع الفكر التَّربويِّ العالميِّ دون تبعيَّةٍ أو انغلاقٍ؟
  • كيف يمكن للمقاربات النَّقدية والمقارنة أن تفتح أُفُقًا جديدًا لصياغة مشروعٍ تربويٍّ يُوازن بين الضَّرورات المعرفيَّة والقِيميَّة؟
  • ما المسارات التي تُتيح بناء نموذجٍ تَربويٍّ يتجاوز ثنائية "الاستيراد" و"الاستعادة" نحو إنتاج رؤيةٍ تركيبيَّة أكثر عمقًا وإنسانيَّةً؟

محاور مقترحة للكتابة

1- المعرفة التَّربويَّة المُعاصرة والإنسان: قراءةٌ تحليليَّةٌ نقديَّةٌ

  • مراجعة مفاهيمها الأساسيَّة، وأسسها الإبستمولوجيَّة، وحدود صلاحيَّتها في سياقات غير غربيَّة.
  • أثر التّحوّلات الفلسفيَّة (الإنسانوية، ما بعد الإنسانيَّة، الحداثة، ما بعد الحداثة، النَّفعيَّة...) في تشكيل مفهوم الإنسان، ومن ثمَّ في تربيته.

2- بناء الإنسان وسؤال المرجعيَّات التَّربويَّة

  • دراسات مقارنة في فلسفات التَّربية العالميَّة ونماذج الإنسان التي تنتجها.
  • تحليلٌ نقديٌّ لإمكان توظيف المرجعيَّة الإسلاميَّة بوصفها موردًا معرفيًا وقيميًا في بناء الإنسان المعاصر دون نزعة دفاعيَّة أو إقصائيَّة.

3- الأيديولوجيا في المعرفة التربوية

  • دراسة طبيعة العلاقة بين الفكر التَّربويِّ والسُّلطة/السِّياسة/السُّوق.
  • كيف تُعيد الأيديولوجيا تشكيل أهداف التَّربيَّة وتربية الإنسان؟
  • نقد نماذج من الأنساق المضمَرة في المناهج التَّربويَّة المُعاصرة.

4- إسهام المعرفة التَّربويَّة المعاصرة في بناء الإنسان

  • تحليل تطبيقات تربويَّة حديثة، ودراسة آثارها علىٰ تشكيل الإنسان في المدرسة والمجتمع.
  • مناقشة الفجوات بين الوعود النظريَّة التي تحملها المعرفة التَّربويَّة المُعاصرة، والممارسات التَّربويَّة الفعلية والمنتوج النِّهائي.

5- المفاهيم والنَّظريات التَّربويَّة المُعاصرة في علاقتها ببناء الإنسان

  • تحليل مفاهيم مثل: التَّعلُّم، النُّمو، الذَّات، الحريَّة، الكفاءة، المواطنة…
  • دراسة أثر التَّحوُّلات السيكولوجيَّة والسوسيولوجيَّة في إعادة بناء صورة الإنسان في الفكر التَّربويِّ.

6- نحو رؤية تربوية عربية-أصيلة جديدة لبناء الإنسان

  • إمكانات صياغة رؤية تتجاوز ثنائيَّة الرَّفض والاحتواء للمقاربات الغربيَّة.
  • مقترحات منهجيَّة لتطوير نموذجٍ تربويٍّ عربيٍّ قادرٍ علىٰ الاستجابة لتحديَّات الإنسان المعاصر.