
رئيس التحرير: د، عبد الجليل البكوري
أستاذ بجامعة مولاي اسماعيل-المدرسة العليا للأساتذة بمكناس
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، أمَّا بعد:
يشهدُ الحقلُ التَّربويُّ اليوم تحوُّلاتٍ عميقةً تمسّ بنيته المعرفيَّة وممارساته البحثيَّة، وتفرضُ علىٰ الباحثين والخُبراء مسؤوليةً مُضاعفةً لإعادة النَّظر في مناهج البحث التَّربويِّ، هذا إلىٰ جانب ما يحملُه الواقع المُعاصِرُ -يومًا بعد يوم- إلىٰ التَّربية من إشكالاتٍ جديدةٍ تتَّسِمُ بقدْرٍ غير يسيرٍ من التَّعقيد، ولا يُمكن مُعالجَتها بمقاربةٍ أُحاديَّة التَّخصُّص أو المنهج، وإنَّما من خلالِ رؤًىٰ نسقيَّةٍ ومقارباتٍ بَيْنيَّةٍ تستوعب طبيعة تلكُم الظَّواهر التَّربويَّة المُستجدة، وتستحضرُ امتداداتها الفكريَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة...
في ظلّ هذا السِّياق؛ أسَّس مركز رُبىٰ للدِّراسات والأبحاث والتَّدريب التَّربويِّ دوريَّتهُ العلميَّة المحكِّمة "أنساق"، بوصفها مشروعًا علميًّا يسعىٰ إلىٰ تقديم قيمةٍ معرفيَّة ومنهجيَّةٍ حقيقيَّة للحقلِ التَّربويِّ، لتكون بهذا جُزءًا من عملٍ مؤسَّسيٍّ طموحٍ قائمٍ علىٰ رؤيةٍ علميَّةٍ واضِحةٍ، حيث تعتمد المجلَّةُ علىٰ قيمٍ تجمع بين الأصالة في المرجعيَّات الفكريَّة، والنَّسقيَّة في التَّفاعل بين الحقول المعرفيَّة، والسَّداد في المنهج معالجةً وتحكيمًا، والإثراء في المعرفة التَّربويَّة المُعاصرة، وتعزيز قيمة الحقل التَّربويِّ لأجلِ بناءٍ حضاريٍّ يُعلي من شأن الإنسان باعتباره محورَ البناء والتَّجديد.
لقد حظيَت فكرةُ المجلَّة منذ بداياتها الأولىٰ بدعمٍ وتشجيعٍ كبيرَيْن من نخبةٍ من المفكِّرين والباحثين داخل المغرب وخارجه، ممَّن أسهموا بخبراتهم في تطوير خطِّها العلمي، وهو ما نعدّه رصيدًا أصيلًا لمسيرة المجلَّة "أنساق"، التي تتبنَّىٰ منظورًا بينيًّا يسعىٰ إلىٰ تطويرِ البحث التَّربويِّ والإنسانيِّ من خلال نشر دراساتٍ محكَّمة تتقاطع فيها الحقول المعرفيَّة، وتلتقي عندها مُختلَف الرُّؤىٰ النَّظريَّة والتَّطبيقيَّة.
لتحقيق ذلك؛ أنشِئت هذه المنصَّة الإلكترونيَّة ضمن منظومةٍ رقميَّة أكاديميَّة أنشأها مركز رُبىٰ للدِّراسات والأبحاث والتَّدريب التَّربويِّ، لتكون منصَّة عِلميَّة تعتمد سياسةَ الوصول المفتوح، إيمانًا بأهمِّيَّة إتاحة المعرفة لدعمِ بيئةٍ أكاديميَّةٍ عربيَّة أكثرَ انتشارًا وتأثيرًا، واستحضارًا لروحِ فقه الوقفِ الذي أسهمَ في نهضةٍ علميَّةٍ كبيرةٍ عرفتها الأمَّة الإسلاميَّة في محطَّةٍ من محطَّاتِ مسيرتها الحضاريَّة، وتركت أثرها علىٰ الوجود الإنسانيٍّ لا يزال حاضرًا وفاعِلًا إلىٰ يوم النَّاس هذا.
سنعمل بإذن الله تعالىٰ مِن خلال مجلَّة "أنساق للدِّراسات البينية والعلوم التَّربويَّة" علىٰ ترسيخ ثقافة الجودة الأكاديميَّة، وإتاحة فضاء للنَّشرِ العِلميِّ المتخصِّص بمعايير تحكيمٍ صارمةٍ تضمن النزاهة والمنهجية والابتكار، دون أن نغفل عن دعم وتكوين الباحثين الشَّباب من خلال أنشطة وفعاليات علمية ستكون موجَّهة إليهم بشكلٍ خاص.
نؤمن في "أنساق" بأنَّ النَّشرَ العلميَّ ليس مجرّد وسيلةٍ لتداول المعرفة، وإنَّما فعل من أفعال البناء والتَّجديد، وأنَّ هذا لا يتحقَّق إلَّا مِن خلال تضافر الجهود الفرديَّة والمؤسَّسيَّة، وإتاحة منصات جادَّة تُسهم في بناء معرفةٍ راسخةٍ تستجيب لأسئلة العصر وتحديَّاته.
وإذ بنا نرحّب بجميع الباحثين والمهتمِّين بالمجال التربوي والإنسانيِّ، فإنَّنا نوجِّه دعوتنا لكل المعنيِّين بالشَّأن التَّربويِّ للإسهام في هذا المشروع، دعمًا لنهضة معرفيَّة تُعيد للتَّربية دورَها المركزيَّ والحيويَّ في البناء الحضاريِّ.
وفي الأخير؛ نأمل أن تكون أنساق مرجعًا موثوقًا للباحثين والممارسين وصنّاع القرار، ومنصة تجمع الخبرات وتُغني النِّقاش التَّربويَّ العربيَّ، وتفتح أمام الباحثين الشَّباب آفاقًا جديدةً للإبداع العلميِّ.
واللَّٰه وليُّ التَّوفيق.
